أنفقت مصر عقودًا في توسيع نطاق التعليم، لكن زيادة الموازنات وارتفاع معدلات الالتحاق لم يؤديا دائمًا إلى نمو اقتصادي أقوى. ويفحص بحث بعنوان «الإنفاق العام على التعليم والنمو الاقتصادي في مصر: منهج اختبار حدود الانحدار الذاتي لفترات الإبطاء الموزعة (ARDL)»، نُشر في دورية «Economies»، هذه المفارقة بالاعتماد على بيانات مصرية تغطي الفترة بين 1980 و2023.
وأوضح باحثو COE-EDP وVisionRI، ومن بينهم عمرو الصرّاطي وزملاؤه، أن القيمة الاقتصادية للتعليم لا تتوقف بالدرجة الأولى على حجم الأموال المرصودة في الموازنة العامة، وإنما على مدى نجاح هذه الموارد في تحسين التدريس، وظروف الفصول الدراسية، والمهارات المفيدة، وفرص العمل.
تُعلّم مصر أكثر من 25 مليون متعلم، بينما يشكل الأشخاص دون سن الثلاثين أكثر من 60% من السكان. ويمكن لهذه التركيبة السكانية الشابة أن تتحول إلى قوة اقتصادية كبيرة إذا أعدّت المدارس والجامعات الطلاب للعمل المنتج. لكن الفصول المكتظة، ونقص المعلمين المؤهلين، وقدم المواد التعليمية، والتفاوتات الإقليمية، ومحدودية التدريب الفني، تواصل إضعاف هذه الإمكانات.
44 عامًا من البيانات تكشف علاقة معقدة بين التعليم والنمو
حلل الباحثون بيانات سنوية تغطي الإنفاق على التعليم، ونمو الناتج المحلي الإجمالي، ومعدلات إتمام المرحلة الابتدائية، ونسب الطلاب إلى المعلمين، وإجمالي تكوين رأس المال، والمشاركة في قوة العمل، والانفتاح التجاري، والاستثمار الأجنبي المباشر. وأظهر الإنفاق حجم استثمار مصر في التعليم، بينما ساعدت معدلات إتمام الدراسة وعدد الطلاب لكل معلم في تقديم مؤشرات على جودة التعليم. ولم تتوافر بيانات مباشرة عن مستوى ما يتعلمه الطلاب طوال فترة الدراسة كاملة.
واستخدم فريق البحث نموذج الانحدار الذاتي لفترات الإبطاء الموزعة (ARDL) للفصل بين التأثيرات الفورية والعلاقات التي تتطور على مدى سنوات طويلة. كما استخدم اختبارات «زيفوت-أندروز» (Zivot–Andrews) لرصد التحولات الهيكلية المرتبطة بتغيرات سياسية واقتصادية كبرى، شملت تحرير الاقتصاد، وثورة 2011، وتخفيضات قيمة العملة، وبرنامج الإصلاح الذي أطلق عام 2016. وفحص الباحثون من خلال اختبارات CUSUM وCUSUMSQ مدى استقرار النموذج خلال هذه الاضطرابات.
وأكدت نتيجة اختبار الحدود وجود علاقة طويلة الأجل بين الإنفاق على التعليم، ومؤشرات التعليم، والنمو الاقتصادي.
زيادة الإنفاق لم تتحول تلقائيًا إلى نمو اقتصادي
أظهر الإنفاق العام على التعليم ارتباطًا سلبيًا ضعيف الدلالة بالنمو الاقتصادي على المدى الطويل. ووفق النموذج المقدّر، ارتبطت زيادة الإنفاق على التعليم بنسبة 10%، مع بقاء تركيبة الإنفاق وآليات استهدافه دون تغيير، بانخفاض يقارب 0.65 نقطة مئوية في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي على المدى الطويل.
ورفض الباحثون الفرضية الأولى التي افترضت أن الإنفاق العام على التعليم أحدث تأثيرًا إيجابيًا طويل الأجل في النمو. وأكدوا أن هذه النتيجة تعبّر عن علاقة توازنية ولا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة، إذ قد يؤدي ارتفاع النمو إلى زيادة قدرة الحكومة على الإنفاق، بينما قد تدفع الأزمات الاقتصادية نحو خفض الموازنات.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في ضوء التزام الدستور المصري بتخصيص ما لا يقل عن 4% من الناتج المحلي الإجمالي للتعليم قبل الجامعي، في حين انخفض الإنفاق إلى نحو 1.7% من الناتج المحلي الإجمالي و5.3% من إجمالي الإنفاق الحكومي في موازنة 2024/2025. وقد لا تؤدي زيادة هذا المبلغ وحدها، من دون تغيير طريقة استخدامه، إلى معالجة مواطن الضعف الأساسية في منظومة التعليم.
جودة الفصول الدراسية تصنع الفارق.. والعائد الاقتصادي يحتاج إلى وقت
قدمت نسبة الطلاب إلى المعلمين أوضح دليل على أهمية جودة التعليم بالنسبة للنمو الاقتصادي. وارتبط ارتفاع هذه النسبة، أي زيادة عدد الطلاب لكل معلم، سلبًا بالأداء الاقتصادي على المدى الطويل. وقدّر الباحثون أن خفض النسبة بنسبة 10% ارتبط بزيادة تبلغ نحو 1.27 نقطة مئوية في نمو الناتج المحلي الإجمالي على المدى الطويل. ويمكن للفصول الأقل ازدحامًا أن تدعم تدريسًا أقوى، واهتمامًا أكبر بالطلاب، وتحسنًا في التعلم، لكن هذه الفوائد تظهر تدريجيًا مع تقدم الطلاب في مراحل التعليم ثم دخولهم سوق العمل.
وأظهرت معدلات إتمام المرحلة الابتدائية نمطًا مختلفًا؛ إذ أدى ارتفاع معدلات الإتمام في البداية إلى زيادة الضغوط على قدرة المدارس الثانوية، وتوافر المعلمين، والموارد العامة، ما خلق تأثيرًا سلبيًا على المدى القصير. ثم ظهر تأثير إيجابي بعد عام، مع بدء النظام التعليمي في استيعاب العدد الأكبر من الخريجين. وألغى التأثيران بعضهما إلى حد كبير، لينتهي الأمر بعدم وجود أثر طويل الأجل. وقد لا يحمل إتمام الدراسة وحده قيمة اقتصادية كبيرة إذا خرج الطلاب من المدارس من دون مهارات قوية أو واجهوا سوق عمل غير قادر على الاستفادة من تعليمهم.
وظل الاستثمار المادي المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي في مصر على المدى الطويل؛ إذ ارتبطت زيادة إجمالي تكوين رأس المال بنسبة 10% بارتفاع مقداره 1.23 نقطة مئوية في معدل النمو وفق التقديرات. وأظهرت المشاركة في قوة العمل علاقة سلبية ضعيفة بالنمو طويل الأجل، وربما يعكس ذلك انتشار العمل غير الرسمي، والبطالة المقنّعة، والوظائف منخفضة الإنتاجية. ولم يُظهر الانفتاح التجاري والاستثمار الأجنبي المباشر آثارًا صافية ذات دلالة إحصائية على المدى الطويل، ما يشير إلى أن الاستثمار وتوسيع قوة العمل يحققان مكاسب محدودة عندما يعجز الاقتصاد الأوسع عن استيعاب العمالة ورأس المال بصورة منتجة.
ودعا البحث إلى إنشاء أنظمة شفافة تتتبع تمويل التعليم منذ الوزارات وصولًا إلى المدارس الفردية، إلى جانب موازنات متعددة السنوات تمنح المؤسسات قدرًا كافيًا من الاستقرار للتخطيط لتحسينات حقيقية. وتشمل الأولويات الحد من اكتظاظ الفصول، وتطوير تدريب المعلمين، واستبدال المناهج التي تركز على الحفظ بمناهج تنمي التفكير النقدي والمهارات الرقمية، وإجراء تقييمات منتظمة للتعلم، وتطوير المدارس في المناطق الريفية الأقل حصولًا على الخدمات.
ويحتاج التعليم الفني والمهني إلى معدات حديثة، وبرامج دراسية مرتبطة باحتياجات سوق العمل، وشراكات أقوى مع أصحاب العمل في مجالات مثل تكنولوجيا المعلومات، والطاقة المتجددة، والتصنيع المتقدم، والسياحة. ويمكن أن يوفر الجمع بين التعليم داخل الفصول والتدريب المهني للطلاب خبرة عملية قبل التخرج، بما يساعد على مواجهة معدل بطالة الشباب الذي بلغ نحو 19% خلال 2023–2024، رغم توسع معدلات الالتحاق بالجامعات.
وينبغي توزيع الموارد وفقًا للاحتياجات، ولا سيما في صعيد مصر، والمجتمعات الريفية، والمحافظات الحدودية. ويمكن أن تساعد حوافز السكن، وتحسين الرواتب، والمزايا المرتبطة بالمسار المهني في جذب المعلمين المهرة إلى المناطق التي تعاني نقصًا في الكوادر، بينما قد تسهم الوجبات المدرسية، والدعم المالي المشروط، والتعلم الرقمي المصمم بعناية في مساعدة الأطفال على الاستمرار في التعليم.
ولم تتوافر كذلك معلومات متسقة حول تدريب الموظفين، وإنتاجية العمالة، والالتحاق بالتعليم الفني، ونتائج التعلم طوال السنوات الـ44 التي شملتها الدراسة. ويمكن أن تبحث الدراسات المستقبلية الإنفاق بحسب المراحل التعليمية، وتقارن بين المحافظات المختلفة، وتستخدم أساليب سببية للفصل بين أثر الإنفاق على التعليم وأثر النمو الاقتصادي في موازنات الحكومة.
https://www-devdiscourse-com.cdn.ampproject.org/v/s/www.devdiscourse.com/article/education/3974897-education-should-fuel-egypts-growth--here-is-whats-going

